صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

132

شرح أصول الكافي

واعلم أن أكثر الناس بل كلهم الا القليل ضعفاء العقول قصراء الانظار لا يطيقون التفكر في ذاته وصفاته ومعاني أسمائه ، ولهذا وقع المنع لهم في الشريعة عنه ، وقيل : تفكروا في خلق اللّه ولا تتفكروا في اللّه ، لان العقول لا تطيق مدّ البصر إليه الا الصديقون فهم لا يطيقون دوام النظر ، بل سائر الخلق أحوال بصائرهم بالإضافة إلى جلال اللّه كحال ابصار الخفافيش بالإضافة إلى الشمس ، فإنه لا تطيق النظر إليها البتة بل تختفي نهارا وتتردّد ليلا لتنظر في بقية نور الشمس إذا وقع على الأرض ، وأحوال الصديقين كحال الانسان في النظر إلى الشمس ، فإنه يقدر على النظر إليها ولكن لا يطيق دوامه ويخشى على بصره لو دام النظر ، ونظرة المختلف يورث العمش ويفرّق البصر ، وكذلك النظر إلى ذات اللّه يورث الحيرة والدهش واضطراب العقل . فالصواب اذن ان لا يتعرض لمجاري الفكر في ذات اللّه ولا في صفاته ، فان أكثر العقول لا يحتمله ، بل القدر اليسير من الصفات التنزيهية التي مرجعها إلى السلوب عن النقائص ، ككونه مقدسا عن المكان منزها عن الأقطار والجهات وانه ليس في داخل العالم ولا في خارجه ولا هو متصل بالعالم ولا هو منفصل عنه مما قد حير عقول أقوام حتى أنكروه ، إذ لم يطيقوا وسع معرفته ، بل ضيقت افهام طائفة من احتمال أقل من هذا إذ قيل لهم : انه يتعالى ويتقدس عن أن يكون له رأس ورجل ويد وعين وعضو ، فأنكروا هذا وظنوا ان ذلك قدح في عظمته وجلاله ، حتى قال بعض الحمقى من العوام : ان هذا وصف بطيخ هندي لا وصف الاله ، لظن المسكين ان الجلالة والعظمة في هذه الأعضاء . لان الانسان لا يعرف الا نفسه فلا يستعظم الا نفسه ، فكلما لا يساويه في نوع صفاته فلا يفهم العظمة فيه ، غاية الأمر ان يقدّر نفسه جميل الصورة جالسا على سرير السلطنة وبين يديه خدام وعبيد يمتثلون امره ويطيعون حكمه ، فلا جرم غايته ان يقدر ذلك في حق معبوده ؛ بل لو كان للذباب عقل وقيل له : ليس لخالقك جناحان ولا له يد ورجل ولا له طيران ، لأنكر ذلك وقال : كيف يكون خالقي انقص مني ، أفيكون مقصوص الجناح أو يكون زمنا لا يقدر على الطيران ؟ أو يكون لي آلة وقدرة لا يكون له مثلها وهو خالقي ومصوري . ؟ وعقول أكثر الخلق قريب من هذا العقل : وان الانسان لظلوم كفار « 1 » .

--> ( 1 ) - إبراهيم 34 .